مجموعة مؤلفين

124

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وفي هذه الفقرة الطويلة يصور لنا ابن عربى شيخه أبا مدين على أنه يقول بوحدة الوجود ، وأن ليس ثم إلّا اللّه ، وهو وحده معنى المعاني . وإذا بلغ الصوفي المرحلة التي يشاهد فيها عين الوجود ، فإنه يتخلى عن أسماء اللّه والصفات ، وتضمحل كليته في مشاهدة الذات . وهذه بعينها آراء ابن عربى ولكن في صورة مبسطة ، تتلاءم وبساطة سيدي أبى مدين . ثم يصوّر أبا حامد الغزالي وهو يسأل الشيخ أبا مدين عن سرّ معرفته ومحبتة ، فيقول له أبو مدين « 1 » : « المحبّة مركبى ، والمعرفة مذهبي ، والتوحيد وصولى . للمحبّة سر لا يكشف ، وإدراكات لا يعبر عنها ، ولا يوصف سرّها ومنبعها ، وفي واصلها الجود العلى . فهي للخواص سنّة مسنونة ، دل على ذلك قوله تعالى « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . فالمعرفة يا أخي فخرى ، وهي قاعدة سرّى وأمرى . ثمرتها التوحيد ، ومنها وفيها يكون المزيد . فالتوحيد أصل وما سواه فرع ، وهو غاية المقامات ونهاية الأحوال وماذا بعد الحق إلّا الضلال ؟ ! » . وفي هذا الجواب توكيد أيضا للتوحيد ، بمعنى وحدة الوجود ، التي هي في نظر أبى مدين ، كما في نظر ابن عربى ، الثمرة الكبرى وغاية المقامات ونهاية الأحوال . ويظن أن الغزالي قد جزع من هذا الجواب فسأله عن التنزيه ، فقال أبو مدين : « نزهت الحق بما نزه به نفسه ، وحمدته حمد من به قدسه ، ومجدته بتمجيد من كان معناه وحسّه . فهو المحرك للظواهر ، ومعلن العلانية ومسرّ السرائر . فسرّه لسرّى لاح ، وتحفه تغمرنى في المساء والصباح . إن نظرته وجدته معي ، وإن تحققته كان بصرى ومسمعى . فهو الممدّ لوجودى ، ومقلّب قلبي ، وناصر وجودي . فحياتى بحياته ظاهرة ، وصفاتى بصفاته مطهرة ، وخلقي بأخلاقه متخلّقة . أمدّنى بتوحيده ، وملأ ظاهري وباطني بجلاله وتمجيده » .

--> ( 1 ) « محاضرة الأبرار » ، ج 5 ، ص 185 - ص 186 .